الطبراني
266
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
وعن ابن عبّاس : ( أنّ أهل مكّة لمّا وجدوا العير أرادوا الرّجوع ، فتمثّل لهم إبليس في صورة رجل يقال له : سراقة بن مالك بن جعنم من بني كنانة ، فقال : لا ترجعوا حتّى تستأصلوهم ، فإنّكم كثير وهم قليل ، ولا غالب لكم اليوم من النّاس ، وإنّي معين لكم من بني كنانة ، فلا تمرّون بأحد من بني كنانة إلّا سار معكم ، فإنّهم لا يخالفونني . فساروا وسار إبليس معهم ، ولم يخرج أحد من بني كنانة ، فجعلوا يقولون : يا سراقة أين ما ضممت لنا ؟ فيقول : مروني ، حتّى قدموا بدرا ، فلمّا كان عند القتال رأى إبليس جبريل فنكص على عقبيه راجعا ، وقال الحارث بن هشام : يا سراقة أين تذهب ؟ فقال : إنّي أرى ما لا ترون ، فقال الحارث : وما ترى إلّا جعاشيش أهل يثرب ؟ - والجعشوش : الرّجل القصير - فلمّا رأى الحارث إبليس ينطلق ، أهوى به ليأخذه ، فدفعه إبليس فرمى به ، ثمّ نكص على عقبيه وقال : - إني - أخاف اللّه ، واللّه شديد العقاب « 1 » . فلمّا انهزم المشركون جعلوا يقولون : هزم النّاس سراقة ، فبلغ ذلك سراقة فقدم عليهم فقال : بلغني أنّكم تقولون أنّي هزمت النّاس ! والّذي نحلف به ما بلغني ما تقولون ولا سمعت بمسيركم حتّى بلغني هزيمتكم ، فجعلوا يقولون له : أما أتيتنا يوم كذا وكذا ؟ وهو يقول : لا ؛ والّذي نحلف به ما كان من ذا قليل ولا كثير . فلمّا أسلموا عرفوا أنّه إنّما كان من الشّيطان ) . فإن قيل : كيف يجوز أن يتمكّن إبليس من أن يخلع صورة نفسه ويلبس صورة سراقة ؟ ولو كان قادرا على أن يجعل نفسه صورة إنسان كان قادرا على أن يجعل غيره إنسانا ؟ قيل : إذا صحّت هذه الرواية ، فالجواب : أن اللّه خلق إبليس في صورة سراقة ، واللّه تعالى قادر على خلق إنسان في مثل صورة سراقة ابتداء ، فكان قادرا على أن يصوّر إبليس في مثل صورة سراقة .
--> ( 1 ) مجمل ما أسنده الطبري في جامع البيان : الأثر ( 12562 ) عن ابن عباس ، و ( 12563 ) عن السدي ، و ( 12564 ) عن عروة بن الزبير ، و ( 12566 ) عن قتادة ، و ( 12570 ) عن الحسن .